سيد محمد طنطاوي

263

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فقد أخرج الشيخان عن ابن عمر أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه » . وعن ابن عمر - أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم نهى ان يقام الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه آخر ، « ولكن تفسحوا وتوسعوا » « 1 » . وعلى أية حال فإن الآية الكريمة ترشد المؤمنين في كل زمان ومكان ، إلى لون من مكارم الأخلاق ، ألا وهو التوسعة في المجالس ، وتقديم أهل العلم والفضل ، وإنزالهم منازلهم التي تليق بهم في المجالس . كذلك أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة أنه يجوز القيام للقادم . قال الإمام ابن كثير : وقد اختلف الفقهاء في جواز القيام للوارد إذا جاء - على أقوال : فمنهم من رخص في ذلك محتجا بحديث : « قوموا إلى سيدكم » . ومنهم من منع من ذلك ، محتجا بحديث : « من أحب أن يتمثل له الرجال قياما . فليتبوأ مقعده من النار » . ومنهم من فضل فقال : يجوز القيام للقادم من سفر ، وللحاكم في محل ولايته ، كما دل عليه قصة سعد بن معاذ ، فإنه لما استقبله النبي صلى اللَّه عليه وسلم حاكما في بني قريظة ، فرآه مقبلا قال للمسلمين : « قوموا إلى سيدكم » ، وما ذاك إلا ليكون أنفذ لحكمه - واللَّه أعلم - . فأما اتخاذه - أي القيام - دينا ، فإنه من شعار الأعاجم . . وفي الحديث المروي في السنن أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كان يجلس حيث انتهى به المجلس ، ولكن حيث يجلس يكون صدر ذلك المجلس ، وكان الصحابة يجلسون منه على مراتبهم ، فالصديق عن يمينه ، وعمر عن يساره ، وبين يديه غالبا عثمان وعلى لأنهما كانا ممن يكتب الوحي ، وكان يأمرهما بذلك . . « 2 » . كذلك أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، فضل العلماء وسمو منزلتهم . قال صاحب الكشاف : عن عبد اللَّه بن مسعود أنه كان إذا قرأ هذه الآية قال : يا أيها الناس افهموا هذه الآية ، ولترغبكم في العلم . وفي الحديث الشريف : « بين العالم والعابد مائة درجة » وفي حديث آخر : « فضل العالم على العابد ، كفضل القمر ليلة البدر على سائر النجوم » . وعن بعض الحكماء أنه قال : ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم ، وأي شيء فات من أدرك العلم .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 17 ص 298 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 325 .